الجنيد البغدادي

79

رسائل الجنيد

الإرادة في القصد صيرني طيرا كل ريشة من جناحي أبعد ما بين المشرق والمغرب ألف ألف مرة فلم أزل أطير في الملكوت ، وأجول في الجبروت ، وأقطع مملكة بعد مملكة ، وحجابا بعد حجاب ، وميدانا بعد ميدان ، وبحارا بعد بحار ، وأستارا بعد أستار حتى أتيت ملك الكرسي فاستقبلني ومعه عمود من نور فسلم علي ، ثم قال : خذ العمود فأخذته فإذا السماوات بكل ما فيها قد استظل بظل معرفتي ، واستضأت كلها بضياء شوقي والملائكة كلهم صارت كالبعوضة عند كمال همتي في القصد إليه ففي كل ذلك كنت خائفا من أن ألتفت إلى شيء من ذلك واقف معه ، فيوقفني ، وأنقطع معه لعلمي أنه يجربني بذلك كله ، فلم ألتفت إليه إجلالا لحرمة ربي جل جلاله . ثم لم أزل أطير وأجول من مملكة إلى مملكة ومن حجاب إلى حجاب ومن ستر إلى ستر حتى انتهيت إلى الكرسي ، فإذا استقبلني ملائكة لهم عيون بعدد نجوم السماوات يبرق من كل عين نور يلمع منه فتصير تلك الأنوار قناديل ، أسمع من جوف كل قنديل تسبيحا وتهليلا ، ثم لم أزل أطير كذلك حتى انتهيت إلى بحر من النور تتلاطم أمواجه يظلم في جنبه ضياء الشمس ، فإذا على البحر سفائن من نوره يظلم في جنة نوارها تلك الأبحر ، فلم أزل أعبر من بحر إلى بحر حتى انتهيت إلى البحر الأعظم الذي عليه عرش الرحمن ، فلم أزل أسبح فيه حتى رأيت ما تحت العرش إلى الثرى من الملائكة الكروبيين والروحانيين وحملة العرش وغيرهم ممن خلق اللّه سبحانه وتعالى في السماوات وفي الأرض أصغر من حيث طيران سري في القصد إليه من خردلة بين السماء والأرض . ثم لم يزل الجليل جل جلاله يعرض علي من لطائف سره وكمال قدرته وعظيم مملكته ما كلت الألسن عن نعته وصفته ، ففي كل ذلك كنت أقول : يا عزيزي مرادي في غير ما تعرض علي ، فلم ألتفت إليه إجلالا لحرمته فلما علم اللّه سبحانه وتعالى مني صدق الإرادة في القصد إليه ناداني سبحانه وتعالى : إلي إلي ، وقال : يا صفي ادن مني واشرف على مشرفات بهائي وميادين ضيائي ، واجلس على بساط قدسي حتى ترى لطائف صنعي أنت صفي وحبيبي وخيرتي من خلقي فكنت أذوب عند ذلك كما يذوب الرصاص ثم سقاني شربة من عين اللطف بكأس الأنس ثم صيرني إلى حال لم أقدر على وصفه ثم قربني منه وقربني حتى صرت